مجمع البحوث الاسلامية
802
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
2 - فقد اعترفوا في الأولى بأنّ قلوبهم في أكنّة - وهي الأغلفة - وفي آذانهم وقر ، وبينهم وبينه حجاب ، وكلّها كناية عن تلك الحواجب القلبيّة ، وأسندت إلى الآذان والأجسام مجازا تأكيدا شدّة حجابها . والثّانية اعتراف من اللّه بأنّ تلك الحواجب الثّلاثة مانعة لهم أن يفقهوا القرآن ، داعية لهم على النّفور والإدبار عنه ، وأنّها من صنع اللّه مجازاة لعنادهم واستكبارهم بعد بيان الحقّ لهم ، وإبلاغ الدّعوة إليهم ، وإتمام الحجّة عليهم ، كما جاء في آيات كثيرة حملها المجبّرة خطأ على مذهبهم : أنّ اللّه قدّرها عليهم في ابتداء الخلقة فجبرهم عليها . منها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ البقرة : 6 ، 7 . وكلّها مجازاة لهم بعد إدبارهم عن الحقّ اختيارا ، وليس تقديرا من اللّه في ابتداء الخلقة جبرا . لاحظ « الهداية والإضلال » . 3 - قد جاء في بعض الأقوال في الآيتين ما يحاكي أنّه كان يوجد بين النّبيّ والكفّار ستر ، وفي آذانهم وقر حين يقرأ عليهم القرآن فلا يرونه ولا يسمعونه ، فهو حقيقة لا مجاز ، وهذا لا ينسجم مع سياق القرآن ، بل الأوّل متعيّن . 4 - بينهم خلاف واسع في ( حِجاباً مَسْتُوراً ) أنّه حجاب مستور عن العيون وهو ذلك الحاجب القلبيّ ، فالمستور بمعناه ، أو المستور بمعنى السّاتر ، أي حجابا يسترهم عن فهم القرآن ، أو جعلنا القرآن نفسه حجابا يسترهم عن سماعه ، وقد جاء المفعول بمعنى الفاعل مبالغة مثل مشؤوم وميمون بمعنى شائم ويامن ، أو هو على بناء النّسب أي ذا ستر ، وقد قطع به الطّبرسيّ ، لاحظ النّصوص هنا ، وفي « س ت ر » . ولقائل أن يقول : حِجاباً مَسْتُوراً بمعنى « حجابا محجوبا » وصف به مبالغة ، مثل : شعر شاعر ، و « مستورا » بمعنى ساترا ، وإنّما جاء « مستورا » بدل « محجوبا » أو ساترا رعاية للرّويّ ، فقبلها ( كبيرا وغفورا ) وبعدها ( نفورا ومسحورا ) والجناس بين ( مستورا ) و ( مسحورا ) جليّ تماما . خامسا : جاء في ( 8 ) بشأن الفجّار يوم القيامة كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ، وفيها خلاف بين جمهور أهل السّنّة وبين من خالفهم في مسألة الرّؤية من المعتزلة والإماميّة والزّيديّة والإباضيّة ، فقال الأوّلون : الكفّار محجوبون عن رؤية اللّه ، والمؤمنون ملتذّون برؤيته . وقد استدلّوا بآيات هذه من جملتها ، ونعمة الرّؤية عندهم من أعظم النّعم ، وهي منتهى آمالهم ، وعليها تدور كلماتهم نظما ونثرا . قال الشّافعيّ : « لمّا حجب قوما بالسّخط دلّ على أنّ قوما يرونه بالرّضاء ، واللّه لو لم يؤمن محمّد بن إدريس أنّه يرى ربّه في المعاد لما عبده في الدّنيا » وقال غيره : « لو علم الزّاهدون والعابدون أنّهم لا يرون ربّهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدّنيا » . وقد فسّر الآخرون هذه الآية ونحوها في حقّ المؤمنين ، بأنّهم يرون ثوابه ورحمته ، وفي حقّ الكفّار أنّهم محجوبون عن ثوابه وإحسانه ونحوهما .